فى القضية رقم11758لسنة 2008 إداري الدخيلة والمحدد لنظر استئناف قرار النيابة بحبس المتهمين بجلسة الأحد الموافق 28/9/2008
الوقائع
بتاريخ 24/9/2008 إلقت قوات الأمن القبض على المتهمين واحالتهم للنيابة العامة،وقامت النيابة العامة بالتحقيق مع المتهمين ووجهت لهم الاتهامات الأتية:
1- الأشتراك مع أخرين باستخدام العنف والتهديد والترويع مع مأمورى الضبط القضائي بهدف الإخلال بالنظام والذى كان من شأنه إيذاء الأشخاص بإلقاء الرعب بينهم
2- الأشتراك مع أخرين فى تعطيل سير وسائل النقل البري
3-الأشتراك مع أخرين فى الإعتداء على مأمور الضبط بالقوة والعنف وذلك أثناء وبسبب تأدية وظيفتهم
4- الأشتراك مع أخرين فى قطع الأشجار المزروعة فى الطريق العام.
وقد قررت النيابة العامة حبس المتهمين خمسة عشر يوماً على ذمة التحقيقات التى تجريها فى القضية،فقام المتهمين باستئناف قرار الحبس والمحدد لنظره اليوم.
وسوف نقسم مذكرتنا على النحو التالي:
أولاً: إنتفاء مبررات الحبس الأحتياطي
ثانيا:إنتفاء أركان جرائم التعدى على موظفين عموميين
ثالثاً:حول حق الفرد فى مقاومة السلطة العامة
الدفـاع
أولاً: إنتفاء مبررات الحبس الأحتياطي.
تنص المادة-134-من قانون الإجراءات الجنائية(مستبدلة بالقانون 145 لسنة 2006) على:
"يجوز لقاضى التحقيق بعد استجواب المتهم أو فى حالة هربه إذا كانت الواقعة جناية أو جنحة معاقبا عليها بالحبس لمدة لاتقل عن سنة ، والدلائل عليها كافية ، أن يصدر أمر بحبس المتهم إحتياطيا ، وذلك إذا توافرت إحدى الحالات أو الدواعى الآتية :
إذا كانت الجريمة فى حالة تلبس
الخشية من هروب المتهم
خشية الإضرار بمصلحة التحقيق سواء بالتأثير على المجنى عليه أو الشهود ، أو العبث فى الأدلة أو القرائن المادية ، أو بإجراء إتفاقات مع باقى الجناة لتغيير الحقيقة أو طمس معالمها.
توقى الإخلال الجسيم بالأمن والنظام العام الذى قد يترتب على جسامة الجريمة .
ومع ذلك يجوز حبس المتهم إحتياطيا إذا لم يكن له محل إقامة ثابت معروف فى مصر ، وكانت الجريمة جناية أو جنحة معاقبا عليها بالحبس .”
فالمشرع المصري واتساقاً مع أن قرار حبس المتهمين قرار بغيض،وضع عدة ضوابط وقيود على قرار النيابة العامة(أو قاضى التحقيق)فى الحبس،أهم تلك الضوابط أن تكون الدلائل على أرتكاب المتهم للجريمة كافية،ثم سرد على سبيل الحصر أربع حالات تصدر فى حالة توافرها النيابة العامة قراراها بالحبس،وهى ضبط المتهمين فى حالة تلبس أو الخشية من هروبهم،أو الإضرار بمصلحة التحقيق،أو توقى الإخلال بالأمن والنظام العام.
وبتطبيق تلك القيود والضوابط على دعوانا نجد أنه بداية لا تتوافر فى قضيتنا الدلائل الكافية والتى اشترطها المشرع كقيد يسبق الحالات الأربع والمذكورة على سبيل الحصر فى المادة سالفة الذكر وذلك على النحو التالي:
عدم كفاية الأدلة كسبب لبطلان قرار الحبس
اشترط المشرع كما سبقت الآشارة كفاية الإدلة لنسوب أرتكاب المتهمين للجرائم المنسوبة إليهم كشرط – سابق على توافر أحدى الحالات المنصوص عليها بذات المادة(134) – لصدور قرار حبس المتهمين،بل أن الأدلة كافية على قيام قوات الأمن بالإعتداء على المتهمين وليس العكس،فالمتهمين وهم أولياء أمور طلبة وتلاميد مدرسة الجزيرة بالعجمى قد مارسوا حقوقهم المكفولة بنصوص القانون والدستور.
ولما كانت دعوانا لا يتوافر فيها دلائل جدية على أرتكاب المتهمين هذه الجرائم،فأن قرار النيابة بالحبس هو قرار قد خالف القانون.
أما عن الحالات الأربع المذكور على سبيل الحصر فى المادة 134 من قانون الإجراءات الجنائية،ففضلا عن كون أن المشرع قد اشترط توافر الأدلة كشرط سابق على تلك الحالات،بمعنى أنه إذا لم تتوافر الادلة فى حق المتهمين فلا يكون هناك مجال للحديث عن توافر حالة التلبس من عدمه أو خشية جهة التحقيق من الهروب أو التأثير على مجري التحقيق،فأن قضيتنا لا يتوافر بها أي من الحالات المذكورة على سبيل الحصر،فالمتهمين لا يخشي هروبهم أو الواقعة يمكن التأثير على شهودها وما إلى ذلك.
ثانيا:إنتفاء أركان التعدى على موظفين عموميين
اتهمت النيابة العامة المتهمين بتهم تتعلق بالتعدى على موظفين عموميين أثناء وبسبب تأدية وظيفتهم ،وهو الأمر المعاقب عليه بالمواد 136 و137 فقرة أولى.
ويقصد بالتعدى أو المقاومة "اعتداء بالفعل على الموظف العام يأخذ شكلا هجوميا وهو التعدى أو شكلا دفاعيا وهو المقاومة".
( راجع الوسيط فى قانون العقوبات القسم الخاص- الجرائم المضرة بالمصلحة العامة- الدكتور أحمد فتحى سرور طبعة عام 1972 – دار النهضة العربية – صفحة 383)
ولما كانت النيابة العامة قد قدمت المتهمين بتهمة التعدى على موظفين عموميين،فأننا سوف نقصر حديثنا على التعدى أو الهجوم،وحتى يتوافر ركنا جريمة التعدى على موظف عام يجب أن يكون هناك اعتداء بالفعل على أحد الموظفين العموميين عن طريق الهجوم عليه سواء اقترن هذا الاعتداء بالقوة أو العنف وهذا ما يسمى بالركن المادى،كما يجب أن يتوافر ركن معنوى ويكفى هنا أن يكون هناك قصد جنائى عام يتمثل فى اتجاه إرادة الجانى إلى الاعتداء على موظف عام أثناء او بسبب تأدية وظيفته.
وبتطبيق ما سبق على دعوانا نجد أن المتهمين -وهم من أولياء أمور طلاب وتلاميد مدرسة الجزيرة بالعجمى –كانوا متوجهين إلى مقر المدرسة مصطحبين معهم أولادهم من التلاميد والطلاب بها بعد أن حصلت المدرسة على حكم قضائي باستمرار الدراسة بها وفض الحصار الأمنى عليها،إلا أنهم ففوجئوا بالحصار الأمنى للمدرسة ، فعبروا عن احتجاجهم عن منع أولادهم من الدخول إلى المدرسة ومواصلة الدراسة بها،فما كان من الشرطة وقوات الأمن إلا ان هجمت عليهم وهددت المواطنين للابتعاد عنهم ثم اعتدت عليهم وقامت بالقبض عليهم وإدعاء أنهم قاموا بضرب بعض المجندين وقوات الأمن، ومن ثم فأن المتهمين لم يقوموا بفعل الاعتداء المكون للركن المادى لجريمة التعدى فهم لم يهجموا على أفراد الشرطة ،كما أنهم لم يتوافر لديهم القصد الجنائى العام الذى تتطلبه جريمة التعدى
.
ومن ثم فأن المتهمين يدفعون بانتفاء أركان جريمة التعدى على موظفين عموميين،ومن ثم فأنه لا مجال للحديث عن توافر الظرف المشدد المنصوص عليه بالمادة 137 فقرة أولى.
حول حق الفرد فى مقاومة السلطة العامة
أعطى المشرع حصانة خاصة للموظف العام أثناء وبسبب تأدية وظيفته وذلك للحفاظ على هيبة السلطة وعدم إعطاء الفرصة لتجرؤ أحد من المواطنين والاعتراض عليها ،إلا ان العديد من الفقهاء والفلاسفة حاولوا أثاره إشكالية تجاوز الموظف العام لواجبات وظيفته ويجور على حقوق المواطنين ويهدد حياتهم فهل يتمتع هنا بنفس الحصانة التى يتمتع بها فى الأحوال العادية ؟وهل يستطيع الفرد استخدام حقه فى الدفاع الشرعى؟ ،ولن يخوض الدفاع فى تحليل نظريات علمية أو الخوض فى تفصيلات نظرية،ليس مكانها ساحتكم المقدسة،ولكننا سوف نذكر موقف المشرع المصرى فيما يتعلق بهذا الموضوع،
حيث أخذ المشرع المصرى بأن الأصل هو عدم جواز استعمال حق الدفاع الشرعى ضد الموظف العام أثناء قيامه بأمر بناء على واجبات وظيفته طالما كان هذا الموظف حسن النية "أى معتقد بمشروعية العمل الذى يقوم به" حتى ولو كان عمل الموظف العام ينطوى على جريمة ،ويستثنى من هذا الأصل حالتين أولهما أن يكون رجل الضبط سيئ النية أي أن يكون عالما بأن عمله غير مشروع،أما الحالة الثانية فهى أن يخشى أن يترتب على فعل الموظف العام الغير المشروع حدوث موت أو إصابات بالغة،شريطة أن يكون لهذه الخشية سبب مشروع.
(أنظر الوسيط فى قانون العقوبات القسم الخاص- الجرائم المضرة بالمصلحة العامة- الدكتور أحمد فتحى سرور طبعة عام 1972 – دار النهضة العربية – صفحة 364 وما بعدها )
فالمادة 248 من قانون العقوبات المصرى تنص على
" لا يبيح حق الدفاع الشرعى مقاومة أحد مأمورى الضبط أثناء قيامه بأمر بناء على واجبات وظيفته مع حسن النية ولو تخطى هذا المأمور حدود وظيفته إلا إذا خيف أن ينشأ عن أفعاله موت أو جروح بالغة وكان لهذا الخوف سبب معقول."
ولما كانت المادة 184 من الدستور المصرى تنص على أن
" الشرطة هيئة مدنية نظامية،رئيسها الأعلى رئيس الجمهورية.
وتؤدى الشرطة واجبها فى خدمة الشعب،وتكفل للمواطنين الطمأنينة والأمن،وتسهر على حفظ النظام والأمن العام والأداب،وتتولى تنفيذ ما تفرضه عليها القوانين واللوائح من واجبات ،وذلك كله على الوجه المبين بالقانون"
ولما كان الحال كذلك وبالفرض الجدلى أن المتهمين قد قاموا بالاعتداء على المجنى عليهم وهم من الموظفين العموميين فأن من الثابت بأوراق القضية أن المتهمين قد تعرضوا للضرب والاعتداءات الجسيمة التى كادت أن تؤدى بهم إلى الموت أو إحداث إصابات جسيمة ،وهو الأمر الثابت بمناظرة النيابة العامة للمتهمين أثناء تحقيقاتها بالقضية،وثابت أيضاً من تعذر استجواب المتهم/ "حماده عبد اللطيف"حيث أن حالته الصحية لا تسمح باستجوابه لإصابته بقطع فى النخاع الشكوي ودخوله فى غيبوبة.
على أن الموت وخشية الإصابات الجسيمة -والتى تتطلبها القانون- وهو أمر متوقع ويحدث بالفعل على أيدى رجال الشرطة المصرية،وهو الأمر الذى يعنى أن كان هناك تعدى من قوات الشرطة على حقوق هؤلاء المواطنين وذلك بتعطيل حقهم الدستورى فى التظاهر والتعبير عن أرائهم الذى يكفله القانون والدستور ومنها ما نص عليه الدستور فى المواد 47 وهى المادة الخاصة بحرية الرأى والتعبير والمادة 62 والخاصة بالحق فى المشاركة فى الحياة العامة وغيرها من القوانين إلى تؤكد على حق هؤلاء المواطنين فى استخدامهم حقهم فى إبداء ارئهم ومشاركتهم فى الحياة العامة، فضلا عن المواثيق الدولية التى وقعت عليها مصر واعتبرت منذ موافقة مجلس الشعب عليها جزء من القانون الداخلى وذلك بموجب المادة 151 من الدستور المصرى
بناء عليه